إخوان الصفاء

365

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ذلك قول اللّه تعالى : « مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ » إلى آخر السّورة ، وقوله تعالى : « إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ » وآيات كثيرة في القرآن في مثل هذا المعنى وأحاديث مرويّة أيضا في هذا المعنى كثيرة . فلما سمعت ما ذكر اللّه تعالى وتفكرت فيما روي عن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، في هذا المعنى ، نظرت عند ذلك بعقلي ، وفكرت بقلبي ، وتأملت برويّتي ، فلم أر أحدا في ظاهر الأمر يضادّني في هذا المعنى ولا يخالفني ولا يعاديني من أبناء جنسي ، وذلك لأني وجدت الخطاب متوجّها عليهم كلّهم مثل ما هو متوجّه علي ، ووجدت حكمهم في ذلك حكمي سواء لا فرق بيني وبينهم في هذا الأمر ، فعلمت أن هذا هو أمر عموم يشمل جميع بني آدم ويعمّهم . ثم تأملت وبحثت ودقّقت النظر ، فوجدت حقيقة معنى الشياطين ، وكثرة جنود إبليس اللعين أجمعين ، ومخالفتهم بني آدم ، وعداوتهم لهم ، ووساوسهم إيّاهم ، هي أمور باطنة وأسرار خفيّة مركوزة في الجبلة ، مطبوعة في الخليقة ، وهي الأخلاق الرديئة ، والطباع المذمومة المنتشئة منذ الصبا مع الإنسان بالجهالات المتراكمة ، واعتقادات آراء فاسدة من غير معرفة ولا بصيرة ، وما يتبعها من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة المكتسبة بالعادات الجارية ، الخارجة من الاعتدال بالزيادة والنّقصان ، المنسوبة إلى النفس الشّهوانية والنفس الغضبيّة ، ثم تأملت ونظرت ، فوجدت الخطاب في الأمر والنهي والوعد والوعيد والمدح والذم متوجها كله إلى النفس الناطقة العاقلة المميّزة المستبصرة ، ووجدتها هي بما توصف من الأخلاق الجميلة والمعارف الحقيقية والآراء الصحيحة والأعمال الزكيّة ملكا من الملائكة بالإضافة إلى النفس الشهوانية والغضبية جميعا . ووجدت هاتين النفسين ، أعني الشهوانية والغضبية ، بما توصفان به من الجهالات المتراكمة ، والأخلاق المذمومة ، والطباع المركوزة ؛ والأفعال القبيحة التي لهما بلا فكر ولا رويّة كأنهما